الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
134
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و الْكِتابُ تعريفه تعريف الجنس ، أي وضعت الكتب وهي صحائف أعمال العباد أحضرت للحساب بما فيها من صالح وسيّئ . والوضع : الحطّ ، والمراد به هنا الإحضار . ومجيء النبيئين للشهادة على أممهم ، كما تقدم في قوله تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً في سورة النساء [ 41 ] . والشهداء : جمع شهيد وهو الشاهد ، قال تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ في سورة ق [ 21 ] . والمراد الشهداء من الملائكة الحفظة الموكلين بإحصاء أعمال العباد . وضمير بَيْنَهُمْ عائد إلى مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الزمر : 68 ] أي قضي بين الناس بالحق . ويجوز أن يكون المراد بالكتاب كتب الشرائع التي شرعها اللّه للعباد على ألسنة الرسل ويكون إحضارها شاهدة على الأمم بتفاصيل ما بلّغه الرسل إليهم لئلا يزعموا أنهم لم تبلغهم الأحكام . وقد صوّرت الآية صورة المحكمة الكاملة التي أشرقت بنور العدل ، وصدر الحكم على ما يستحقه المحكوم فيهم من كرامة ونذالة ، ولذلك قال : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي صدر القضاء فيهم بما يستحقون وهو مسمى الحق ، فمن القضاء ما هو فصل بين الناس في معاملات بعضهم مع بعض من كل ظالم ومظلوم ومعتد ومعتدى عليه في اختلاف المعتقدات واختلاف المعاملات قال تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ النحل : 124 ] . ومن القضاء القضاء على كل نفس بما هي به حقيقة من مرتبة الثواب أو العقاب وهو قوله : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ . فقضاء اللّه هو القضاء العام الذي لا يقتصر على إنصاف المتداعين كقضاء القاضي ، ولا على سلوك الداعرين كقضاء والي الشرطة ، ولا على مراقبة المغيّرين كقضاء والي الحسبة ، ولكنه قضاء على كل نفس فيما اعتدت وفيما سلكت وفيما بدلت ، ويزيد على ذلك بأنه قضاء على كل نفس بما اختلت به من عمل وبما أضمرته من ضمائر إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ . وإلى ذلك تشير المراتب الثلاث في الآية : مرتبة وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ، ومرتبة وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ، ومرتبة وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ . والتوفية : إعطاء الشيء وافيا لا نقص فيه عن الحق في إعطائه ولا عن عطاء أمثاله . وفي قوله : ما عَمِلَتْ مضاف محذوف ، أي جزاء ما عملت لظهور أن ما عمله المرء لا يوفاه بعد أن عمله وإنما يوفى جزاءه .